الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

13

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

أَيَّامٍ أُخَرَ « 1 » وذلك أن السفر مظنة النصب ، وهو من مغيرات الصحة ، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر ، وكذلك القول في المرض . والثاني : وهو الحمية ، من قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ « 2 » فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد « 3 » ، وقال تعالى في آية الوضوء : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً « 4 » فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه ، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج . والثالث : من قوله تعالى : أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ « 5 » فإنه أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم ، لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس تحت الشعر ، لأنه إذا حلق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها . فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه . فقد أرشد تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده . وفي الصحيحين من حديث عطاء عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ما أنزل اللّه داء إلا وأنزل له شفاء » « 6 » . وأخرجه النسائي وابن حبان وصححه الحاكم عن ابن مسعود بلفظ « إن اللّه لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء

--> ( 1 ) سورة البقرة : 184 . ( 2 ) سورة النساء : 29 . ( 3 ) كما ورد في قصة عمرو بن العاص حينما أصبح جنبا وهو في إحدى الغزوات فخشى من الغسل بالماء البارد فتيمم وصلى بأصحابه ، والقصة أخرجها أبو داود ( 334 و 335 ) في الطهارة ، باب : إذا خاف الجنب البرد أيتيمم ، وابن حبان في « صحيحه » ( 1315 ) ، وانظر « الإرواء » ( 154 ) . ( 4 ) سورة النساء : 43 . ( 5 ) سورة البقرة : 196 . ( 6 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 5678 ) في الطب ، باب : ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له شفاء ، وابن ماجة ( 3439 ) في الطب ، باب : ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له شفاء ، والحديث ليس في مسلم كما قال المصنف - رحمه اللّه - .